ابن الجوزي
26
لقط المنافع في علم الطب
وفي المتزهدين من أخرج ماله كله عن يده زهدا ، ومعلوم أن الحاجات لا تنقضي ، فلما احتاج تعرض للطلب ، وافتقر إلى أخذ مال من يد من يعلم أنه ظالم ، وبذل وجهه . وقد كانت الصحابة تتجر وتحفظ المال ، وجهال المتزهدين يرون جمع المال ينافي الزهد ! ! فممخضة « 1 » هذا الفصل أن أقول : ينبغي لمن رزق فهما أن يسعى في صلاح بدنه ، ولا يحمل عليه ما يؤذيه ، ولا يناوله من القوت ما لا يوافقه ، ولا يضيع ماله ، وليجتهد في استثماره لئلا يحتاج ، فإنه ما نافق زاهد إلا لأجل الدنيا ، ولينظر في سير الكاملين من السلف ، وليتشاغل بالعلم ؛ فإنه الدليل ، فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه ، والاشتغال بحبه ، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضيجة لافجة . واللّه الموفق » . ولنتأمل كذلك هذا النص من « صيد الخاطر » حين يعقد فصلا عن خلق اللّه الحر والبرد لمصالح البدن ، وفيه إشارة إلى كتاب « لقط المنافع » الذي بين أيدينا : « تأملت مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر والبرد ، فرأيتها تعكس المقصود في باب الحكمة ، وإنما تحصل مجرد لذة ، ولا خير في لذة تعقب ألما . فأما في الحر فإنهم يشربون الماء المثلوج ، وذلك على غاية في الضرر ، وأهل الطب يقولون : إنه يحدث أمراضا صعبة ، يظهر أثرها في وقت الشيخوخة ، ويضعون الخيوش المضاعفة ، وفي البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد . وهذا من حيث الحكمة يضاد ما وضعه اللّه تعالى ؛ فإنه جعل الحر لتحلل الأخلاط ، والبرد لجمودها فيجعلون هم جميع السّنة ربيعا ، فتنعكس الحكمة التي وضع الحر والبرد لها ، ويرجع الأذى على الأبدان .
--> ( 1 ) الممخضة : الخلاصة .